منتديات الصحه والمال

مكملات غذائية طبيعية /صلاح العسيلي 00966530378003


    مقدمات مهمة في فقه الخلاف

    شاطر

    صلاح العسيلي
    المشرف
    المشرف

    عدد المساهمات : 300
    تاريخ التسجيل : 23/07/2010

    مقدمات مهمة في فقه الخلاف

    مُساهمة  صلاح العسيلي في السبت ديسمبر 25, 2010 10:47 pm

    مقدمات مهمة في فقه الخلاف


    جمَعها مِنْ قِراءَتِه ومُطالَعتَهِ:
    حمزة بن محمد أيوب البلوشي
    - عفا الله عنه -
    ================================================

    مُقَدِّمةٌ بَيْنَ يَدَيِ الْمُـقَدِّمَاتِ:


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:


    فهذا مجموع جمعته لنفسي، وعَنْوَنْتُه بـ[مُقَدِّماتٌ مُهِمَّة في فِقْهِ الخِلاف]، وذلك أثناء اطلاعي وقراءتي في بعض ما كُتِبَ في فقه الخلاف.


    وقد رأيت جمع أَهَمِّ ما قرأتُ في هذه الصفحات؛ لتكون مَدخَلاً رَائِـقاً لفهم (فقه الخلاف) لي ولغيري، وبُغْيَةَ الحَذرِ مِنَ الوُقوعِ في الآثار السلبية المترتبة على عدم المعرفة بهذا الباب من أبواب العلم.


    إذ أن بعض طَلَبَةِ العلم – وفقهم الله - في أحايين كثيرة ينأون جانباً عن الواجب في الخلافات الفِقهيَّة السَّائغة التي يَقعُون فيها؛ فيحصل بينهم ما يُعَكِّرُ صَفْوَ خَواطِرهِم، ومع أنه ينبغي أن لا تُعَكِّرَ مثل هذه الخلافات السَّائِغة صَفْوَ الاجتماع والمَحبَّة والأُلفَةِ بين طلبة العلم؛ إلا أَنَّ كثيراً منها لها أثارٌ سلبية مَقِيتةٌ في النفوس الجَاهِلَةِ بفقه الخِلاف! فلذلك رَغبتُ في الحَذَر والتَّحذِير من ذلك بجمع هذه المقدمات التي هي بين يديك أخي القارئ.


    هذا وقد جمعتُ هذه القواعد بتصرفٍ واختصارٍ، وشيءٍ من الزيادات من المراجع التالية:


    1- سبع مسائل في علم الخلاف، عبد العزيز القارئ، ضمن مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.
    2- فقه الخلاف بين المسلمين، ياسر برهامي، دار العقيدة – مصر، 1421هـ
    3- فقه الخلاف وأثره في القضاء على الإرهاب، د. يوسف الشبيلي، (ملف Word) من موقع الشيخ.
    4- فقه الاختلاف .. آفاق وآداب، د. بدر عبد الحميد هميسة، (ملف pdf) من الانترنت.
    5- فقه الخلاف، د. عوض القرني، (ملف Word) من الانترنت.


    فإليك أخي القارئ هذه المقدمات التي هي بمثابة (قواعد في فقه الخلاف)، سائلاً العلي القدير أن ينفع بها كل من اطلع عليها، وراجياً منه سبحانه أن تكون سبباً لفتح الآفاق لمعرفة فقه الخلاف؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه سبحانه.


    المقدمة الأولى: أمور لا يجوز فيها الاختلاف:



    هناك أحكام وقواعد شرعية انقطع فيها الخلاف، وهي: (القطعيات) الثابتة ثبوتاً قطعياً؛ كأركان الإسلام والإيمان، وكعدد الصلوات الخمسة، وكتحريم الزنا، والربا، وما أجمع عليه العلماء من قواعد الشرع المعتبرة في أحكامه مثل: لا ضرر ولا ضرار، ورفع الحرج، وجلب التيسير، ونحو ذلك.
    فهذه كلها لا اجتهاد ولا مجال للرأي والخلاف فيها، بل هي أسس وقواعد لهذا الشرع العظيم لا تتغير بتغير الزمان ولا بتغير المكان.
    أما ما سوى (القطعيات) من مسائل الشرع وقد يسميها بعضهم (الظنيات) فهي محل للاختلاف ومجال للاجتهاد، تتنوع فيها الأفهام وتختلف الآراء، وقد دعا الشرع إلى إعمال الفكر واستعمال العقل في إدراك معانيها واستخراج أحكامها وعللها وأوجهها ومراميها، وفَتَحَ البابَ لأهل النظر والفكر وذوي العقول والألباب ليجتهد كل حسب ما أوتي.


    المقدمة الثانية: لا بد من الاختلاف إذا فتح باب التفكير والنظر والاجتهاد:


    لا بد أن يقع الاختلاف بين ذوي العقول وأصحاب التفكير وأهل الاجتهاد؛ لأن الله لم يسوِّ بين الأفهام والمدارك والعقول، بل تختلف الأفهام وتتنوع الآراء تبعاً لاختلاف درجات العقول والمدارك قوة وضعفاً وانغلاقاً وانفتاحاً؛ قال تعالى: [نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ]. سورة يوسف (76).
    ولذلك نجد أن الشرع الحنيف لم يُشَنِّع على الاختلاف الذي هو من هذا الباب، بل أتاح المجال كما سبق بيانه، إلا أنه سبحانه بين لأمة الإسلام ماذا يصنعون إذا اختلفوا؛ قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ]. سورة النساء (59).


    المقدمة الثالثة: لا خلاف إلا بدليل أو تأويل:


    علماء الإسلام من الصحابة والتابعين وتابعيهم في كل عصر لا يختلفون إلا بدليل أو تأويل، ولا يُتَصوَّر أن أحداً منهم يخالف النص متعمداً أو بغير دليل!
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رفع الملام: ((الأئمة المقبولون المجمع على إمامتهم من الأمة لا يقولون في مسألة إلا عن دليل ظهر لهم وإن تبادر إلى ذهن المبتدئ أنهم في اختلافهم جانبوا الدليل)). اهـ [ الفتاوى (20/250) ].


    المقدمة الرابعة: معرفة طبقات الناس بالنسبة للعلم:


    طبقات الناس بالنسبة للعلم وعدمه (ثلاثةٌ) كما روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: ((عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيؤوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق)).


    * فأما (العلماء الربانيون): فهؤلاء هم المجتهدون في كل زمان ومكان، فما ترجح لديهم بعد النظر والاجتهاد يرجحونه ويعملون ويفتون به.
    * وأما (المتعلم على سبيل النجاة): فهو طالب العلم الذي لم يبلغ درجة الاستنباط فعليه أن يتأمل أقوال العلماء وفتاويهم ويشتغل بالترجيح بين أدلتهم، وبعمل بما ظهر له دليله من أقوال العلماء، وإلا اتبعهم فيما ذهبوا إليه، ولا بد أن يعتني بالأدلة ويحترس من التقليد لأنه شأن العوام، ويحذر من التعصب فإنه من طبائع أهل البدع والأهواء.
    * وأما (الهمج الرعاع): فهم عامة المسلمين من الذين يعجزون عن معرفة الراجح بأنفسم، فيستفتون الأوثق الأعلم من أهل العلم عندهم، ويسألونهم عن الراجح، فيعملون به في أنفسهم، ويجوز لهم نقله لغيرهم من غير إلزام لهم به، ومن غير إنكار على من خالفهم بأيٍّ من درجات الإنكار.


    ولا يجوز أخذ قولٍ بالتشهي (لموافقة هوى في النفس)! أو بما يرى الشخص من مجرد المصلحة أو التيسير، دون موافقة دليلٍ شرعي، فهذا الأمر من الجهل العظيم الذي يخالف الإجماع، وإنما اختيار الأيسر فقط في الأمور الاختيارية، وليس فيما كان في إثم وحلال وحرام وواجب ومندوب؛ فهذه لا بد فيها من الترجيح والاجتهاد كما سبق.


    المقدمة الخامسة: النصح وتجنب سوء الظن:


    جاء في الحلية لأبي نعيم الأصفهاني: حدثنا الحسن بن سعيد ثنا زكرياالساجي حدثني أحمد بن العباس الساجي قال سمعت أحمد بن خالد الخلاليقول: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: ((ما ناظرت أحداً قط إلا على النصيحة)).
    والنصح الصادق يقتضي حسن الظن بالناس وعدم حمل كلامهم على محمل الشر، قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ((لا تظنَّنَ بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شراً، وأنت تجد لها في الخير محملاً)) [ الدر المنثور للسيوطي (6/99) ].
    وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: ((ما بَرِحَ أولو الفتوى يختلفون، فيُحِلُّ هذا ويُحَرِّم هذا، فلا يرى المُحَرِّم أن المُحِلَّ هَلَكَ لتحليله، ولا يَرى المُحِلُّ أن المُحَرِّمَ هَلَكَ لتحريمه!)) [ جامع بيان العلم: (2/80)].
    وروى الخطيب البغدادي عن أحد الأئمة أنه قال: ((ما اختلف فيه الفقهاءُ؛ فلا أنهى أحداً عنه من إخواني أن يأخذ به!)) [ الفقيه والمتفقه: (2/69) ].


    المقدمة السادسة: عدم الإنكار على من اجتهد:


    يقول الإمام أحمد فيما يرويه عنه ابن مفلح: ((لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهَبٍ ولا يشدِّدَ عليهم))[ الآداب الشرعية لابن مفلح ].
    ويقول ابن مفلح: ((لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع))، [ الآداب الشرعية: (1/186) ].
    وقال الإمام النووي: ((ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالِف نصاً أو إجماعاً أو قياساً جلياً)) [ شرح النووي على صحيح مسلم (2/34) ].
    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ((مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم يُنكَر عليه ولم يُهجَر، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه))[ الفتاوى: (20/207)].
    وسئل القاسم بن محمد عن (القراءة خلف الإمام فيما لم يَجهَر به)؛ فقال: ((إن قرأت فلك في رجال من أصحاب محمدٍ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة، و إذا لم تقرأ فلك في رجال من أصحاب رسول الله أسوة))[ التمهيد لابن عبد البر: (11/54) ].
    وعبر الفقهاء عن هذا بقاعدتهم التي تقول: ((الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد))[ الأشباه والنظائر لابن نجيم: (105) ].
    وعن أنس – رضي الله عنه - قال: ((إنا معشرَ أصحابِ رسول - الله صلى الله عليه وسلم – كنا نسافر، فمنا الصائم ومنا المفطر، ومنا المُتِمُّ ومنا المُقْصِرُ، فلم يُعِبِ الصائم على المفطرِ، ولا المفطرُ على الصائمِ، ولا المُقْصِرُ على المُتِمِّ، ولا المُتِمُّ على المُقصِرِ))!! [ البيهقي في السنن (ح/5225) ].
    وقال ابن القيم: ((من العجيب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم، والربا، والزنا، وشرب الخمر، ومن النظر إلي المحرَّم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه! حتى يُرى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمة في سخط الله لا يلقي لها بالاً ينزل بها أبعد مما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل تورَّع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري في أعراض الناس الأحياء والأموات لا يبالي ما يقول))!! [ تقويم الرجال، لأحمد الصوبان (9) ].


    المقدمة السابعة: التفريق بين مَوَاطِنِ الخلاف السَّائِغ، والخلاف الذي لا يَسُوغ:


    المسائل التي وقع الخلاف فيها قديماً، وهو خلاف سائغ، أو كانت من المسائل الحادثة والخلاف معها منذ حدثت؛ فالأمر فيه سعة والمختلفون فيه بين صاحب أجر وصاحب أجرين بإذن الله.
    إن الذين ألّفوا في الحِسبة من علماء المسلمين ذكروا أن من شروط إنكار المحتسب أن لا يكون ما ينكره من المختلف فيه، وذكروا أن الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد، وأن القاضي لا ينقض حكم من سبقه باجتهاده إلا أن يكون القاضي السابق خالف نصاً شرعياً، أو إجماعاً مخالفةً بيِّنة.
    وعلى هذا؛ فينبغي على من اختلف مع غيره خلافاً قائماً على اجتهاد صحيح أن يعذرهم فيما خالفوا فيه، وألا يثرِّب عليه، وأن يدعُوَ لهم بظهر الغيب وألا يقع في أعراضهم، وألا يعامل المخالفين معاملة واحدة؛ بل يفرِّق بين من خالفوا في أمر قطعي، أو معلوم من الدين بالضرورة، أو مجمع عليه، وبين من خالفوا فيما عدا ذلك، وأن يفرِّق بين من خالفهم في الأصول والكليات، وبين من خالفهم في الفروع والجزئيات، وحينئذ يحفظ للدين حرمته، ويحفظ للناس حقوقهم.


    المقدمة الثامنة: اعتبار الـمـآلاتِ، والنظر في المقاصد:


    وذلك أن من طلب الحق فأخطأَهُ، ليس كمن تعمد الباطل فأصابه، ولذلك جعل الله للقاضي الذي تأهل للحكم، واستفرغ الوسع لإصابة الحق أجراً، حتى وإن أخطأ، وما ذلك إلا لبذله جهده، وحسن نيته، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها، وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما الأعمال بالنيات))[ متفق عليه ].
    وكم رتب الله على القصد والإرادة من الآثار، ذلك أن من حَسُنَ قصده ليس كمن سَاءَ قصده وخَبُث، ولعل قصة الرجل الذي أسرف على نفسه فأمر إذا مات أن يحرق جسده، ويُسحق، ويذرى في البحر، عظة وعبرة، فقد غفر الله له ذنوبه بسبب حسن قصده، وهو خوفه من الله سبحانه وتعالى.
    ولذلك رتب الفقهاء كثيراً من الأحكام على المراد منها، وقَعَّدوا القاعدة الفقهية الشهيرة: (الأمور بمقاصدها)، ولذلك يجب مراعاة الأمر باستمرار، أي اعتبار مآلات الأفعال والأقوال وبناء الأحكام عليها.


    يــــــتـــــــــبـــــع ...



    التوقيع


    ربِّ اغفِر لوالدتي وارحمها كما ربَّـتـنِي صَغِيراً ..
    واجعل قَبرهَا رَوضَةً مِنْ رِيَاضِ الجَنَّة - آمين -.



    المقدمة التاسعة: نقل أقوال المختلفين نقلاً دقيقاً أميناً؛ بلا زيادة ولا نقصان:


    لأنها شهادة من الناقل عليهم بأنهم قالوا كذا وكذا، والشاهد لابد أن يكون مُـتَـثـبِّتاً مما يقول، باذلاً لجهده ومستفرغاً لوسعه في أن لا ينسب إلى الناس أمراً لم يصدر منهم، وإلا لكان شاهد زورِ أو مغفلاً لا تقبل شهادته.
    فلا يكفي أن تنسب قولاً إلى عالم أو داعية أو طالب علم أو جماعة أو مذهب لأن فلاناً قد نسبه إليهم!
    ولتتذكر وأنت تنسب إلى الآخرين أقوالهم أنك سوف تقف بين يدي الله - سبحانه وتعالى-، وسيحاسبك، وسيقاضونك على ما نسبتَهُ إليهم، فأعدَّ للسؤال جواباً، وتذكر قول الحق - سبحانه وتعالى -: [مَّا يَلفِظُ مِن قَولٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيٌد] سورة ق (18).
    وكم سمعنا من قول ينسب، أو خبر ينقل، وإذا سألت الناقل للقول أو للخبر: من أين لك هذا؟! قال: حدثني الثقة – أي من أثق به –! وإذا بحثتَ في حال هذا الثقة بمنهج علمائنا الأوائل؛ وإن أحسن أحواله أنه مجهول الحال، هذا إن لم يكن ممن لا تجوز عنه الرواية؛ فالله المستعان!


    المقدمة العاشرة: عدم التعصب الأعمى لعالم أو مذهب أو جماعة من الناس:


    فالله سبحانه لم يجعل العصمة إلا للكتاب والسنة وما أجمعت عليه الأمة؛ فلا ينبغي أن نتعامل مع أي عالم أو مذهب أو جماعة على اعتبار أن كل ما يصدر عنهم حق لا يجوز مخالفته ولا التخلي عنه!
    بل يجب أن يكون شعارنا: (كل يؤخذ من قوله ويردّ إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)، نعم؛ لاشك أن العلماء هم ورثة الأنبياء، وهم أهل الخشية الذين هم يهدون إلى الحق، وبه يعدلون، يحملون هذا الدين خلفاً بعد سلف، فينفون عنه انتحال المبطلين، وتحريف الغالين، هم عدول الأمة، وأهل المنزلة العالية الرفيعة في الدين، احترامهم وحبهم وتوقيرهم واجب شرعي، لكن على أن لا يُرفعوا فوق منزلتهم ولا يُغلَى فيهم، كما غلا اليهود والنصارى في أحبارهم ورهبانهم.
    وكان الإمام أحمد – رحمه الله – يقول: ((لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكاً، ولا سفيان، ولا الشافعي))، وكان ابن مسعود - رضي الله عنه - يقول: ((من كان مستناً فليستن بمن قد مات، فإنَّ الحي لا تؤمن عليه الفتنة)).


    المقدمة الحادية عشرة: الابتعاد عن الجزئية في التعامل مع نُصوص الشرع:


    للخروج بحكم صحيح في قضية من القضايا لا بد من جمع كل النصوص الشرعية الواردة في تلك القضية؛ فيحمل العام على الخاص، والمطلق على المقيد، والمجمل على المبين، والكناية على التصريح، والمنسوخ على الناسخ.
    ولابد أن يكون الإنسان على دراية بقواعد الاستنباط، والتعامل مع نصوص الشرع في هذه الكيفيات المختلفة، أما أن يأخذ الإنسان نصاً واحداً ويتعامل مع القضية، فينظر من خلاله فقط، فهذا خلاف ما أمر به الله ورسوله.
    ولابد أيضاً من معرفة أسباب نزول الآيات، ومعرفة أسباب ورود الحديث، وكذلك معرفة أقوال أهل العلم في المسألة، وإلا لزلّ حيث يظن أنه يحسن!



    المقدمة الثانية عشرة: الحق يقبل من أي جهة جاء:


    الحق يقبل لكونه موافقاً للدليل؛ فلا أثر للمتكلم به في قبوله أو رفضه؛ ولهذا كان أهل السنة يقبلون ما عند جميع الطوائف من الحق، ويردون ما عندها من الباطل، بغض النظر عن الموالي منها أو المعادي.
    قال تعالى: [فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم].سورة البقرة (213).
    وفي دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)). [ رواه مسلم من حديث عائشة - رضي الله عنها - ].
    قال ابن القيم - رحمه الله -: ((فمن هداه الله سبحانه إلى الأخذ بالحق حيث كان ومع من كان، ولو كان مع من يبغضه ويعاديه، ورد الباطل مع من كان ولو كان مع من يحبه ويواليه، فهو ممن هدى الله لما اختُلف فيه من الحق)).
    وقال تعالى: [ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى]. سورة المائدة (Cool، ومن العدل فيهم قبول ما عندهم من الحق.
    وهكذا أدبنا القرآن الكريم حين ساق كلام بلقيس- وقت كفرها - ثم وافقها عليه؛ قال تعالى- حكاية عنها -: [قالت إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة]، قال الله تعالى: [وكذلك يفعلون]. سورة النمل (34).
    ولما دلّ الشيطان أبا هريرة - رضي الله عنه - إلى آية الكرسي لتكون له حرزاً من الشيطان، وذلك مقابل فكه من الأسر، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم- ((أما إنه قد صدقك وهو كذوب)). [رواه البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -].
    وكان معاذ بن جبل - رضي الله عنه - يقول: ((اقبلوا الحق من كل من جاء به، وإن كان كافراً - أو قال فاجراً - واحذروا زيغة الحكيم))، قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق؟ قال: ((إن على الحق نوراً)) ! ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: ((ولكنّ الحق يقبل من كل من تكلم به)) [مجموع الفتاوى 5/101 ].


    المقدمة الثالثة عشرة: اختلاف الرأي لا يفسد للوُدِّ قضية:


    المفترض في كل متناظرين أنهما طالبا حق، لكن قد يخفى الحق عليهما، أو على أحدهما، والخفاء قد يكون سببه خفاء الدليل أو الدلالة، فيختلفان فتقع بينهما المناظرة، وقد تنكشف المناظرة ولا يتفقان على قول واحد، لكنهما مستصحبان للنية الأولى، وهي: طلب الحق، فهذا الاختلاف لا يقطع حبل المودة بينهما، ولا يعكر على القلوب صفاءها، فضلاً عن التنابذ والتدابر ونحو ذلك.
    ولقد ضرب لنا سلفنا أمثلة شامخة في هذا الباب، من ذلك: ما قاله يونس الصدفي: ((ما رأيت أعقل من الشافعي؛ ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخواناً، وإن لم نتفق في مسألة))؟!


    المقدمة الرابعة عشرة: وجوب عرض أقوال الناس على الشرع:


    ما يقوله سائر الناس من الكلام في المطالب الشرعية لا بد من عرضه على الكتاب والسنة؛ فإن وافق الكتاب والسنة فهو حق يقبل، وإن خالفهما فهو باطل يرد.
    ولهذا كان الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم ينهون أتباعهم عن تقليدهم في كل شيء، وأقوالهم في ذلك مشهورة.
    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: ((ذَمَّ الله تعالى في القرآن من عدل عن اتباع الرسل إلى ما نشأ عليه من دين آبائه، وهذا هو التقليد الذي حرمه الله ورسوله وهو: أن يتبع غير الرسولِ فيما خالَفَ فيهِ الرَّسولَ وهذا حرام باتفاق المسلمين على كل أحد; فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. والرسول طاعته فرض على كل أحد من الخاصة والعامة في كل وقت وكل مكان; في سره وعلانيته وفي جميع أحواله، وهذا من الإيمان قال الله تعالى : [فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما])). سورة النساء (65).


    المقدمة الخامسة عشرة: أصناف يجب تجنُّب المناقشة والاختلاف معهم:


    1- جاهل لا يقر بجهله: فهذا يكون النقاش معه سقيماً، لعدم معرفته بالأدلة والقواعد وأصول البحث والمناظرة.
    2- مسفسط متعَنِّتٌ: إذا وضح الحق وبان، لم يبقَ للمعارضة العلمية ولا العملية محل، والأمم كلهم متفقون على أن المناظرة إذا انتهت إلى مقدمات معروفة بينَةٍ بنفسها ضرورية، ثم جحدها الخصم كان (سوفسطائياً)؛ فلا ينبغي مناظرته بعد ذلك!
    3- معتد لا يحب النَّصَفَة: فهو إلى الظلم والإجحاف أقرب، ولا يعتد إلا بما لديه من قول أو دليل!
    4- من عادته التسفُّه في الكلام: والسفهاء طرقهم معروفة، والابتعاد عنهم أولى، فالنتيجة معهم تكاد أن تكون معدومة بالكامل!



    خَــاتـِـمَــةٌ - أحسن الله ختامنا عند الممات -


    هذا آخر ما قمتُ بقراءته وجمعه من تلكم المقدمات المهمات، أسأل الله تعالى أن ينفعنا بها، وأن يُجزِل المثوبة لمؤلفي الكتب والرسائل التي جمعت منها هذه المقدمات؛ فلولا الله ثم ما كتبوا لما كان لي أن أجمع هذه المقدمات المستفادة من كتبهم! فالفضل بعد الله تعالى راجع إليهم - جزاهم الله خير الجزاء -.
    وأما أنا؛ فلا أجدني إلا أنه يَصدُقُ عليَّ قول القائل: ((اِجْمَعْ مِنْ هُنا وَهُنا، وقُـل: ألَّفْتُهُ أنا))! ولكن حسبي أني قُمت باختصار وجَمْعِ أهم ما ذكروا، لأُتحِفَ به نفسي ومن كَتَبَ له الله سبحانه الاستفادة من هذا الجمع.


    والحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً ...



    ========================


    وكتب:
    حمزة بن محمد أيوب البُلوشي
    15/ذو القعدة/1431هـ
    المدينة النبوية – الجامعة الإسلامية



    وقد كانت المراجعة النهاية في صبيحة يوم الجمعة
    18/محرم الحرام/1432هـ

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد ديسمبر 04, 2016 9:26 pm